السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

93

مفاتيح الأصول

الاشتراك ولا عكس لأنا نقول ذلك لا يفيد الأولوية ومع ذلك فنفي العكس ممنوع مفتاح إذا دار الأمر بين المجاز والاشتراك كما إذا استعمل لفظ في معنيين وعلم أنّه حقيقة في أحدهما وشك في أنّه في الآخر حقيقة أو لا كصيغة افعل فإنها حقيقة في الوجوب قطعا ولكن لم يعلم أنها مجاز في الندب الذي استعملت فيه أو حقيقة فإن كانت حقيقة فيه كان اللَّفظ مشتركا فيجب التوقف عند إطلاقه وإلَّا كان مجازا لا يجوز حمل اللَّفظ عليه إلا مع القرينة فاختلف فيه الأصوليّون فالظاهر من السيّد المرتضى وابن زهرة ترجيح الاشتراك ولذا حكما باشتراك كثير من الألفاظ وحكاه الشهيد الثّاني في ذلك عن جماعة فإنه قال في جملة كلام له لا نسلَّم أولوية المجاز على الاشتراك بل قد قال جمع من المحققين بأولوية الاشتراك وذهب الأكثر كالمحقق والعلامة وفخر الإسلام والسّيد عميد الدّين والبهائي وصاحب المعالم وصاحب غاية البادي والحاجبي والعضدي والبيضاوي إلى ترجيح المجاز للأولين وجوه إنّ الاشتراك أكثر وأغلب فيكون أرجح أما الأوّل فلأن الكلمة اسم وفعل وحرف والحروف كلَّها مشتركة كما يشهد به كتب النحو وكذا الأفعال فإن الماضي والمضارع مشتركا بين الإخبار والإنشاء والأخير إذا كان خبرا يكون مشتركا بين الحال والاستقبال والأمر مشترك بين الوجوب وغيره وأمّا الأسماء فإن الاشتراك فيها كثير على ما يشهد به تتبع اللَّغة فإذا ضمّ إليها الأفعال والحروف غلب الاشتراك على الإفراد ويعضد ما ذكر ما تمسّك بعض على رجحان الاشتراك فقال إن الألفاظ أسماؤها وأفعالها وحروفها بأسرها مشتركة فإنه ما من لفظ إلَّا وهو مشترك بين معناه الذي وضع له وبين نفس اللفظ وهو بهذا الاعتبار اسم وإن كان فعلا أو حرفا هذا على ما قاله النحاة في نحو قولهم من حرف جر وضرب فعل ماض إن من وضرب اسمان لهذين اللَّفظين اللَّذين مما فعل وحرف وأما الثاني فلأن البناء في المسائل اللغوية غالبا على الظن لتعذر حصول العلم ولاتفاق العلماء قديما وحديثا عليه ولأنه لو كان اللَّازم تحصيل العلم لاشتهر لأنه مما يتوفر الدّواعي عليه وبطلان اللازم واضح والظن الَّذي يحصل فيها لا يكون إلَّا من جهة الغلبة فلا بد من أن تكون معتبرة وفيه نظر للمنع من المقدمة الأولى بل التحقيق أن المجاز أغلب وأكثر وقوعا لتصريح أكثر المحققين بذلك ولذا صاروا إلى رجحانه على الاشتراك على أن جماعة منهم ابن جني صرح بأن أكثر اللغات مجازات ولشهادة الاستقراء بذلك كما أشار إليه السّيّد الأستاذ رحمه الله فقال إن أكثر الألفاظ المستعملة في المعاني المتعددة مجاز فيما عدا واحد منها وما هو حقيقة في أكثر من معنى واحد منها قليل بالنسبة إلى ذلك بل لا نسبة له إليه كما صرّح به المحققون وشهد له تتبع اللغة والاستعمالات الواردة ومتى كان المجاز غالبا تعين الحمل عليه لأن المشكوك فيه يتبع الأعمّ الأغلب ويلحق به ثم أجاب عما احتج به على غلبة الاشتراك بما لا مزيد عليه فقال وأمّا عن الثّاني فيما ذكره في النهاية من أن الأصل في الكلام الأسماء والاشتراك فيها نادر واشتراك الأفعال والحروف لا يجدي نفعا مع ذلك ويمكن الجواب أيضا بمنع اشتراك الأفعال والحروف قوله والحروف كلها مشتركة كما يشهد به كتب النحو قلنا كتب النحو إنما تشهد بتعدّد معاني الحروف وهو لا يدلّ على الاشتراك إلَّا إذا قلنا بترجيحه على المجاز وفي البناء عليه هاهنا دور ظاهر والظاهر أن الحروف بأسرها حقائق في معانيها المعروفة الَّتي يغلب استعمالها فيها فالباء للإلصاق ومن للابتداء وإلى للانتهاء وفي للطرفية والواو للجمع واو للتفريق وهكذا سائر الحروف فإنها وإن استعملت في معان متعددة إلَّا أنّ المعنى الحقيقي منها واحد وهو معناها المعروف الَّذي وضع له اللفظ بالاتفاق والباقي مجازات لتبادر غيرها وندرة استعماله فيها ووقوع الخلاف بين أئمة اللَّغة في ثبوت أكثرها كما يشهد به تتبع كتب النحو وغيرها قوله وكذا الأفعال فإنّ الماضي والمستقبل مشتركان بين الخبر والدّعاء والمضارع مشترك بين الحال والاستقبال والأمر مشترك بين الوجوب والندب قلنا لا نسلَّم شيئا من ذلك فإن الماضي والمستقل وإن استعملا في الخبر والدّعاء إلَّا أنهما حقيقتان في الخبر والدعاء أنهما حقيقتان في الخبر مجازان في الدّعاء بإطباق أئمة اللَّغة ولأن المتبادر منهما عند الإطلاق هو الخبر وفهم الدّعاء منهما موقوف على القرينة قطعا ودعوى الاشتراك في مثل ذلك مكابرة بينة وأمّا المضارع فقد وقع الخلاف فيه أنّه مشترك بين الحال والاستقبال أو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر والاشتراك هو مذهب البعض ولا حجة فيه وقد ذهب جماعة من محققي النّحاة منهم الشيخ الرّضي رحمه الله إلى أنّه حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال قال لأنه إذا خلي عن القرائن لم يحمل إلَّا على الحال ولا يصرف إلى الاستقبال إلَّا لقرينة وهذا شأن الحقيقة والمجاز وأيضا من المناسب أن يكون للحال صيغة خاصّة كما لأخويه ثم قال وقيل هو حقيقة في الاستقبال مجاز في الحال لخفاء الحال حتى اختلف العقلاء فيه فقال الحكماء إن الحال ليس بزمان موجود بل هو فصل بين الزّمانين ولو كان زمانا لكان التّنصيف تثليثا وأجاب عن ذلك بأن الحال عند النّحاة غير الآن المختلف في كونه زمانا بل هو ما على جنبتي الآن من الزمان مع الآن سواء كان الآن زمانا أو الحد المشترك بين الزمان ومن ثم نقول أن يصلَّي في قولك زيد يصلَّي حال مع أن بعض صلاته ماض وبعضها باق فجعلوا